فخر الدين الرازي
190
تفسير الرازي
التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من الضرب عقلاً في الجملة ، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله : * ( وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) * فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى ، والله أعلم . النوع الثاني : من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله : * ( ولا تنهرهما ) * يقال : نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره . قال تعالى : * ( وأما السائل فلا تنهر ) * ( الضحى : 10 ) . فإن قيل : المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى ، فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثاً . أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيداً حسناً ، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف ، فما السبب في رعاية هذا الترتيب ؟ قلنا : المراد من قوله : * ( فلا تقل لهما أف ) * المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ، والمراد من قوله : * ( ولا تنهرهما ) * المنه من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له . النوع الثالث : قوله تعالى : * ( وقل لهما قولاً كريماً ) * واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش . والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمراً بالقول الطيب ، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال : * ( وقل لهما قولاً كريماً ) * والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام . قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هو أن يقول له : يا أبتاه يا أماه ، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال : هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ، وعن عطاء أن يقال : هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك ، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم . فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلماً وكرماً وأدباً ، فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ : * ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ) * بالضم : * ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) * ( الأنعام : 74 ) فخاطبه بالاسم وهو إيذاء ، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء ؟ قلنا : إن قوله تعالى : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ) * يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين ، فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديماً لحق الله تعالى على حق الأبوين . النوع الرابع : قوله : * ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) * والمقصود منه المبالغة في التواضع ،